علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )
92
تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )
سبحانه وتعالى وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ يعني التي هي من الحجر والمدر سَكَناً يعني مسكنا تسكنونه ، والسكن ما سكنت إليه وفيه من ألف أو بيت وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً يعني الخيام والقباب والأخبية ، والفساطيط المتخذة من الأدم والأنطاع . واعلم أن المساكن على قسمين : أحدهما : ما لم يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر ، وهي البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما ، والقسم الثاني : ما يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر وهي الخيام والفساطيط المتخذة من جلود الأنعام ، وإليها الإشارة بقوله تعالى تَسْتَخِفُّونَها يعني يخف عليكم حملها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ يعني في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم وظعن البادية هو لطلب ماء أو مرعى ، ونحو ذلك وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ يعني وتخف عليكم أيضا في إقامتكم وحضركم ، والمعنى : لا تثقل عليكم في الحالتين وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها الكناية عائدة إلى الأنعام ، يعني ومن أصواف الضأن ، وأوبار الإبل وأشعار المعز أَثاثاً يعني تتخذون أثاثا . الأثاث . متاع البيت الكبير ، وأصله من أث إذا كثر وتكاثف ، وقيل للمال أثاث إذا كثر . قال ابن عباس : أثاثا يعني مالا : وقال مجاهد : متاعا . وقال القتيبي : الأثاث المال أجمع من الإبل والغنم والعبيد والمتاع . وقال غيره الأثاث هو متاع البيت من الفرش والأكسية ونحو ذلك وَمَتاعاً يعني وبلاغا وهو ما يتمتعون به إِلى حِينٍ يعني إلى حين يبلى ذلك الأثاث ، وقيل : إلى حين الموت . فإن قلت : أي فرق بين الأثاث والمتاع حتى ذكره بواو العطف ، والعطف يوجب المغايرة فهل من فرق ؟ . قلت : الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه وغير ذلك فيدخل فيه جميع أصناف المال ، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة فظهر الفرق بين اللفظتين واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 81 إلى 88 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 ) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 ) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ( 86 ) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 87 ) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ( 88 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا يعني جعل لكم ما تستظلون به من شدة الحر والبرد ، وهي ظلال الأبنية والجدران والأشجار وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً جمع كن وهو ما يستكن فيه من شدة الحر والبرد ، كالأسراب والغيران ونحوها وذلك لأن الإنسان إما أن يكون غنيا أو فقيرا ، فإذا سافر احتاج في سفره ما يقيه من شدة الحر والبرد فأما الغني فيستصحب معه الخيام في سفره ، ليستكن فيها وإليه الإشارة بقوله وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً وأما الفقير فيستكن في ظلال الأشجار والحيطان والكهوف ونحوها ، وإليه الإشارة بقوله واللّه جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ولأن بلاد العرب شديدة الحر ، وحاجتهم إلى الظلال وما يدفع شدته وقوته أكثر فلهذا السبب ذكر اللّه هذه المعاني في معرض الامتنان عليهم بها ، لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ يعني وجعل لكم قمصا وثيابا من القطن والكتان والصوف وغير ذلك ، تمنعكم من شدة الحر قال أهل المعاني والبرد فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ